حتمية المواجهة بين إيران وإسرائيل من منظور واقعي
شكلت سنة 2024 نقطة مهمة في مسلسل متصاعد من التحولات في منطقة الشرق الأوسط، حيث كسرت المواجهة بين إسرائيل وإيران قاعدة كانت سائدة لمدة ليست بالقصيرة وهي ما يسمى بالحرب بالوكالة، وفتحت باب المواجهة المباشرة بين الطرفين، تأكدت سنة 2025 وسنة 2026، بضربات إسرائيلية أمريكية استهدفت قمة القيادة الإيرانية واغتيال المرشد الأعلى لإيران واستهداف المنشآت الصاروخية الإيرانية، ردت إيران بصواريخ باليستية مباشرة على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة. هذه المواجهات كانت إعلانا رسميا بنهاية حرب الظل بين إيران وإسرائيل.
بالنظر إلى طبيعة هذا الصراع، فغالبا ما كان يختزل وينظر إليه في مختلف التحليلات الإعلامية كمواجهة أو صراع إيديولوجي أو ديني بين ما يسمى بــ"محور المقاومة"، والدولة العبرية المدعومة من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. إلا قراءة المشهد بعيدا عن هذه التوصيفات الإعلامية يكشف واقعا آخر. من منظور النظرية الواقعية في العلاقات الدولية وخاصة، الواقعية الهجومية لرائدها البروفيسور جون ميرشايمر، فإن ما وقع كان حتميا؛ فالأمر ليس صراع أفكار، بل هو صراع تقليدي غايته "تعظيم القوة" والسعي للبقاء في بيئة إقليمية سمتها الأساسية الفوضى وغياب الثقة.1
تفترض الواقعية الهجومية أن الدول الكبرى أو تلك القوة الإقليمية الكبرى كإسرائيل وإيران في منطقة الشرق الأوسط تعيش في نظام فوضوي يفتقر لسلطة عليا تفرض النظام على الجميع. وبما أن نوايا الخصوم لا يمكن التنبؤ بها مطلقا، فإن الدول ترى أن ضمانتها الوحيدة من أجل البقاء هي امتلاكها لقوة أكبر من قوة الجميع، والسعي المتواصل لتحقيق الهيمنة في الإقليم.
في هذا الإطار، يمكن فهم وتفسير استراتيجية الجمهورية الإيرانية والمتمثلة أساسا في بناء شبكة متفرقة من الوكلاء أو الأذرع يسميهم البعض بمحور المقاومة في مجموعة من الدول كسوريا والعراق واليمن ولبنان، والعمل على تطوير برامج صاروخية باليستية متنوعة ومتقدمة، ليس من باب تصدير الثورة الإيرانية أو ولاية الفقيه بالأساس، ولكن كاستراتيجية دفاعية وهجومية في نفس الوقت هدفها محاولة الإبقاء على التهديدات بعيدة عن حدودها الجغرافية، والرفع من قدراتها وقوتها لغاية ردع أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي.2
في الجهة المقابلة، تلتزم إسرائيل بعقيدة أمنية وعسكرية تقوم على الحفاظ على التفوق العسكري النوعي مطلق. ونظرا لمعضلة أمنها المتأصلة، لا يمكن لإسرائيل أن تتسامح مع ظهور قوة إقليمية منافسة تمتلك قدرات استراتيجية، كالصواريخ الموجهة بدقة أو القدرات النووية تحاصر حدودها. ونتيجة لذلك، ركزت الاستراتيجية الإسرائيلية باستمرار على الحد من القدرات الإيرانية قبل أن تصل إلى مرحلة الهيمنة الإقليمية3. إلا أنه عندما أدركت إسرائيل أن وكلاء إيران قد تطوروا من مجرد مصدر إزعاج إلى جيوش غير نظامية قادرة على شل الحياة الداخلية (كما يتضح من "جبهات الدعم" بعد أحداث 7 أكتوبر)، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر أصبحت المواجهة المباشرة مع القيادة في طهران ضرورة استراتيجية للبقاء الوطني.
إلى وقت قريب، كانت حرب الظلال تخدم الجانب الإسرائيلي والإيراني على حد سواء. لكن التطورات المتسارعة الأخيرة دفعت بالبلدين إلى حافة الهاوية. الضربات الصاروخية الإيرانية غير المسبوقة كانت محاولة لإرساء معادلة ردع جديدة بعد أن تجاوزت إسرائيل الخطوط الحمراء باغتيال قادة كبار في دمشق وطهران وبيروت من بينهم المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي. من منظور واقعي، عندما تشعر الدولة أن صورتها الردعية تتآكل، فإنها تجبر على استخدام القوة الخشنة لإثبات مصداقيتها، حتى لو كان ذلك ينطوي على مخاطر الانزلاق لحرب شاملة.4
الرد الإسرائيلي المدعوم أمريكيا والذي استهدف الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية (مثل S-300 ) كان رسالة كلاسيكية في استعراض القوة. ولقد اختارت كل من إسرائيل والولايات المتحدة تجنب ضرب جميع المنشآت النووية أو النفطية الإيرانية ليس بدافع السلام، وإنما في إطار نوع من الحسابات الدقيقة، وذلك تجنا لحرب شاملة لا يستطيع أي طرف تحمل تكلفتها حاليا. وبالتالي فالضربات صممت لتجريد إيران من "دروعها"، جاعلة إياها مكشوفة أمام أي ضربات مستقبلية، وهو ما يعزز موقف إسرائيل في ميزان القوى الإقليمي.
في الجهة الثالثة من المعادلة، والتي لا يمكن فهم صورتها الكاملة دون تحليل دقيق لدور الولايات المتحدة الأمريكية التي انخرطت بشكل مباشر في هذه الحرب للدفاع عن إسرائيل، عير حشد عسكري ضخم لم تشهد له المنطقة مثيلا من قبل.
تفسر النظرية الواقعية الهجومية سلوك الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مفهوم "الموازن الخارجي" ( Offshore Balancing ). فبوصفها المهيمن في النصف الغربي من الكرة الأرضية ترى فالولايات المتحدة الأمريكية أنها معنية بالتدخل في مناطق حيوية أخرى من العالم مثل الشرق الأوسط بهدف أساسي وهو منع ظهور مهيمن إقليمي باستطاعته السيطرة على الموارد أو تهديد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية5.
ترى واشنطن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ببرنامجها النووي ونفوذها الجيوسياسي الممتد في المنطقة تمثل تهديدا كبيرا. ولهذا السبب تتدخل واشنطن لكسر هذا الاندفاع الإيراني بدعمها لإسرائيل بكل أشكال الدعم وخصوصا الدعم الاستخباراتي والعسكري. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس بعض الضغوط على إسرائيل، لأن دور الموازن الخارجي يتطلب عدم الانجرار إلى حرب برية إقليمية جديدة تستنزف مواردها، خصوصا بعد ما أبانت عنه إيران من قدرات. وخاصة كذلك في ظل تركيزها الاستراتيجي الأكبر على احتواء الصين في منطقة المحيط الهندي والهادئ، ومواجهة روسيا في أوكرانيا.6
يمكن القول. أن الهدنة الأخيرة التي جاءت بعد سلسلة من الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل ما هي إلا استراحة محارب فرضتها الرغبة في عدم استنزاف قدرات الطرفين.
ترى الواقعية الهجومية أن "مأساة القوة" تكمن في أن الدول لا تستطيع التوقف عن التسلح والخوف. وأمام هذه التطورات والمفاجآت حول القوة الإيرانية التي عبر عنها الجانب الأمريكي، فإن إسرائيل ستستمر في محاولة تفكيك قدرات إيران ووكلائها لضمان تفوقها المطلق، وبالمقابل ستسعى إيران جاهدة لسد ثغراتها الدفاعية، وربما قد تجد في الخيار النووي الحل الأخير لضمان بقائها أمام التفوق الإسرائيلي التكنلوجي والدعم الأمريكي. الجولة القادمة إذا من هذا المنظور هي قادمة لا محالة، لأن هيكل النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط لم يحسم بعد، وفي عالم تحكمه القوة فلا مكان للنوايا الحسنة.
المراجع:
1 John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (New York: W.W. Norton & Company, 2001), 29-36.
2 Suzanne Maloney, "Iran's Order of Chaos: How the Islamic Republic Is Remaking the Middle East," Foreign Affairs 103, no. 3 (May/June 2024).
3 Dalia Dassa Kaye, "Israel’s Dangerous New Escalation Playbook," Foreign Affairs , April 16, 2024, https://www.foreignaffairs.com .
4 Efraim Inbar, "Israel's National Security Doctrine: The Evolving Challenges," Begin-Sadat Center for Strategic Studies (BESA) , 2023, 14-19.
5 John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt, "The Case for Offshore Balancing: A Superior U.S. Grand Strategy," Foreign Affairs 95, no. 4 (July/August 2016): 70-83.
6 Daniel Byman, "The U.S. Role in the Israel-Iran Clash," Center for Strategic and International Studies (CSIS) , October 2024, https://www.csis.org .
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *